الشيخ محمد رشيد رضا

83

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لا مجرد اعتقاد صدق الخبر ، الذي يقابله اعتقاد كذبه ، فان أشد الناس كفرا أولئك المصدقون الجاحدون الذين قال اللّه لرسوله فيهم ( فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) ومثله قوله ( وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا ) ولا شك ان الايمان بمعناه الذي قلناه يزيد بنزول القرآن في عهد الرسول وناهيك بمن يحضر نزوله عليه ويسمعه منه ، وكذا يزيد بتلاوته وبسماعه من غيره أيضا ثباتا في قلب المؤمن وقوة اذعان ، وصدق وجدان ، ورغبة في العمل والقرب من اللّه . قال اللّه تعالى في جواب هذا السؤال وهو العليم الخبير فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً فاثبت تعالى للمؤمن زيادة الايمان بزيادة نزول القرآن وهو يشمل الزيادة في حقيقته وصفته من اليقين والاذعان واطمئنان القلب ، وفي متعلقه وهو ما في السورة من مسائل العلم ، وفي أثره من العمل والتقرب إلى الرب . وانما يتساءل المنافقون عن الأول وهو الذي يفقدونه ، وإنما غيره تابع له . وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ أي والحال انهم يسرون بنزولها وتستدعي زيادة الايمان في قلوبهم البشرى والارتياح بما يرجون من خير هذه الزيادة بتزكية أنفسهم ، وأثر ذلك في أعمالهم في الدنيا والآخرة * * * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ اي شك وارتياب ، يدعو إلى النفاق باسرار الكفر واظهار الاسلام فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ اي كفرا ونفاقا مضموما إلى كفرهم ونفاقهم السابق الذي هو اقذر الرجس النفسي وشر أنواعه وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ اي واستحوذ ذلك عليهم ورسخ فيهم ، فكان مقتضى سنة اللّه تعالى في تأثير الاعمال في صفات النفس ان من مات منهم مات على كفره ، وسيموت من بقي منهم وهم متلبسون بالكفر . وهاك الدليل على ذلك : * * * أَ وَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ الاستفهام لتقرير مضمون الحكم عليهم والحجة عليه وهو داخل على فعل محذوف للعلم به من المقام ، والمعنى أيجهلون هذا ويغفلون عن حالهم فيما يعرض لهم عاما بعد عام من تكرار الفتون والاختبار ، الذي يظهر به استعداد الأنفس للايمان أو الكفر ، والتميز بين الحق والباطل ،